صحوت مبكراً هذا الصباح , تتسلل إليّ رائحة قهوة أمي الصباحيّة , أهبط الدرج, ألمح عبد الله معتلياً صهوة دراجة أخته الصغيرة يجوب بها المنزل جيئة وذهاباً , أناديه ربما عشر مرات حتى أحظى باستجابة , أخبره بأني سأعدّ لي كوباً من النسكافيه الدافئ وبإمكانه أن يرافقني إلى المطبخ ليعدّ له معي مثله في حالة رغب في ذلك , محاولة مني لتعليمه الإعتماد على النفس والذي تعفيه أمي عنه لأنه فتى ويجب أن يُخدم لا أن يخدِم ولو كان صاحب الحاجه فهو منزّه عن العمل تماماً ! يشيح بوجهه عني كأن لم يرى ولم يسمع ويواصل الترنم بترنيمة لم أفهم منها حرفاً , أنتهي من إعداد كوبي وأقضي عدة لحظات أستنشق بخاره المتصاعد فتأتي أمي لتنعتني بالأنانية ف عبد الله المسكين لا يجد من يطعمه ! أعدّ كوباً آخر فأناوله إياه وهو منشغل بصنع مقلاع ليصطاد به حمامة بريئة أو ربما عصفور صغيرعندما يخرج إلى حضن الشارع ظهراً , أؤكد له ضرورة تجرعه بسرعه حتى لا يبرد ويتهمني بعدم إجادة إعداده , وأناوله فطيرة جبن وضعت فيها قطع خيار رفيعه , يتناولها بعدم اهتمام فأفاجئه بقولي : عفواً عبّود أنا في الخدمة يخوي , يبتسم بسخرية ويشرع بقراءة مجلته المفضلة للقصص المصوّرة , وأكمل أنا قراءة الرواية التي بدأتها آنفاً , يزحف الملل إلينا بخفة فنترك القراءة و أبتسم له تلك الإبتسامة المفرطه حتى تختفي حدقتا عينيّ فيضحك على إثرها , يمنحني هذا موجة من الفلسفه فأقول له : كنت أضنّ أن الجميع بمقدورهم الضحك وأن لكل إنسان ضحكة تميزه عن غيره قد تكون جميلة أو مقززة أو مضحكة في حدّ ذاتها , إتضح لي أن ندرة منهم يستطيع أن يطلق العنان لضحكاته بصدق ولا تخرج متكلّفه ولا عشوائية بل فطرية ومرتبه على وتيرة معينه يُعرف بها , أنظر حولك , الكثير يتصنّع الضحك فيظهر ذلك جليّاً , البعض تدغدغه الضحكة في أعماقه فيبدأ جسده بالإهتزاز لأنه لا يستطيع أن يقهقه بها لاحظ أنه لا يستطيع أصلاً , وبعضهم يشعر برغبه قوية بالضحك لكنه لا يملك إلا الإبتسام ...
يقاطعني عبدالله وينبعث الحماس من عينيه : إيه إيه مثلاً أمي من النوع اللي يهتز وهو فاطس ضحك وعمر عندو ذيك الضحكة اللي تنرفز كذا .. ويحاول تقليدها , فنضحك معاً وأشاركه ضرب الأمثله : عندك صالح لازم ينهي ضحكته بقفل يشبه الشهيق زي كذا .. وإبراهيم يضحك بثقل .. كذا.... , وفي غمرة ضحكه يسألني : وأنا وشلون ضحكتي ؟